وقلنا: إن الظالم: الذي يأخذ حَقَّ غيره ، والحق تبارك وتعالى يُوضِّح هذا الظلم بقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .
لأنهم لا يقدرون على ظُلْم الله تعالى ، ولا على ظُلْم النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمة الله ورسوله هي العُلْيا ، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف . ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم ، فنِعْم الإله إله يفعل هذا مع مَنْ عصاه .
والكافر حتى في مظهرية ظُلْمه للغير يظلم نفسه ؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم . إذن: لو حقَّق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه .
وحين يرى الظالمُ عاقبةَ ظُلْمه ، ويعاين جزاء فِعْله يعضُّ على يديْه ندماً وحَسْرة . والعَضُّ: انطباق الفكيْن الأعلى والأسفل على شيء ، وللعضِّ مراحل تتناسب مع المُفْزع الذي يُلجئ الإنسانَ له ، وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: 119] .
والأنامل: اطراف الأصابع وعَضُّها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرّض الإنسان لموقف يصعُب عليه التصرف فيه فيعضُّ على أنامله عَضّاً يناسب الموقف والحدث ، فإنْ كان الحدث أعظمَ ناسبه أنْ يعضّ يده لا مجرد أصابعه ، فإنْ عظم عَضَّ على يديْه معاً كما يحدث لهم في الآية التي معنا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ} [الفرقان: 27] لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود ، والخطأ الذي لا يمكن تداركه ؛ لذلك يُعذِّب نفسه قبل أن يأتيه العذاب .
فيعضُّ على يديْه معاً ، فكأن الأمر المُفْزِع الذي يعاينه بلغ الغاية ؛ لذلك عضَّ على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض ، وهو العاضّ والمعضوض ، ولا يُعذِّب نفسه بهذه الطريقة إلا مَنْ يئس من النجاة .