وقد ورد القرآن بالكناية والتعريض في مواضع على وجوه مختلفة منها قوله: {وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ} [ص: 21] إلى آخر القصّة، فكنّى عن ذكر الملكين المتسوّرين، وقد كان يجوز أن يذكرهما ويسميهما، ولم يعدل عن ذلك لحاجة إلى مداجاة وخوف من سطوة ومبادأة.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ} [ص: 23] ، فكنّى عن ذكر النّساء بذكر النّعاج، ولم يأمر الله سبحانه الملكين بهذه الكناية لخوف سطوة ودفع بليّة، ولو تتبّع هذا لكثر وطال.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أراد بقوله: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، الإخبار عن كلّ من أطمع في معصيته الله، وأراد بذكر الظالم كلّ ظالم وعادل عمّا وجب عليه، كنّى عنهم بذكر فلان، ولو جعل مكان هذه الكناية تفصيل أسمائهم لطال ذلك وكثر واستهجن ومجّته القلوب والأسماع، ولخرج بذلك عن مذهب العرب، وطريقة سائر النّاس في الكلام، لأنّه كان يجب أن يقول: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ فرعون وقارون وهامان، وأبو لهب وأبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة والوليد، وهذا من الطول والغثاثة من مستعمله بحيث لا خفاء على أحد به، وهو مع ذلك قاصر للكلام عن تناوله لكل من قصد به من الظالمين والمطاعن في معصيته الله، لأنّه لو سمّى ألفا أو مائة ألف خرج الكلام بصريح التّشبيه لمن سمّاه عن تناول من تقدّم من الظالمين قبل نزول القرآن ومن يتأخّر منهم عن وقت نزوله، ويوجد في المستقبل، والله سبحانه باتّفاق الأمّة إنّما قصد بهذا الكلام تحذير جميع المكلّفين من الظّلم، ومن اتّخاذ خليل يطاع في معصية الله جلّ وعزّ، فكانت الكناية عنهم بذكر الظالم الذي هو للجنس إذا لم يكن للعهد، والتعريف عند كثير من النّاس أولى وأجدر، وبذكر فلان عن كل من أطيع في معصية الله أولى من تعديد قوم منهم بأسمائهم والتّصريح بذكرهم على وجه يوجب قصره عليهم فقط، فإذا كان ذلك كذلك بطل ما أصّلتموه.