بعد أن وصف الحق تبارك وتعالى ما يؤول إليه عمل الكافرين أراد سبحانه أنْ يُحدِّثنا عن جزاء المؤمنين على عادة القرآن في ذكر المتقابلات التي يظهر كل منها الآخر ، وهذه الطريقة في التعبير كثيرة في كتاب الله منها: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} [التوبة: 82] .
ومنها أيضاً قول الحق سبحانه: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 1314] .
وهكذا ، ينقلك القرآن من الشيء إلى ضِدّه لتميز بينهما ، فالمؤمن في النعيم ينظر إلى النار وحَرِّها ، فيحمد الله الذي نجاه منها ، وهذه نعمة أخرى أعظم من الأولى . والكافر حين ينظر إلى نعيم الجنة يتحسَّر ويعلم عاقبةَ الكفر الذي حرمه من هذا النعيم ، فيكون هذا أبلغَ في النكاية وأشد في العذاب ؛ لذلك قالوا: وبضدِّها تتميز الأشياء .
وقوله سبحانه: {أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24] صاحب الشيء: المرافق له عن حُبَّ ، فكأن الجنةَ تعشَق أهلها وهم يعشقونها ، فقد نشأت بينهما محبة وصُحْبة ، فكما تحب أنت المكان يحبك المكان ، وأيضاً كما تبغضه يبغضك . ومنه قولهم: نَبَا به المكان يعني: كَرِهه المكان .
وكلمة {أَصْحَابُ الجنة} [الفرقان: 24] تدل أيضاً على الملكية ؛ لأنهم لن يخرجوا منها ، وهي لن تزول ولن تنتهي .
وكلمة {خَيْرٌ} [الفرقان: 24] قلنا: إنها تُستعمل استعمالين: خير يقابله شرّ ، كما في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 78] وقوله تعالى: {أولئك هُمْ خَيْرُ البرية} [البينة: 7] ... . {أولئك هُمْ شَرُّ البرية} [البينة: 6] .