أتبع ذلك بالتذكير بما أغفلوه والتعليم لما جهلوه، قوله - جل قوله: (بَلْ
كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ... (11) . وهي مفتح لما وراءها من عظيم الوجود الذي جهلوه(وَأَعْتَدْنَا
لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا).
ثم أخذ في وصفها في حقهم بقوله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا
تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) . الزفير: اجتماع النفس في الجوف ثم يخرج دفعة
واحدة، وهو الشهيق وقال في موضع آخر: (سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ(7) تَكَادُ
تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ).
(فصل)
أخبر الله سبحانه وهو العليم الخبير أن جهنم - أعاذنا الله منها - ترى وتتنفس،
وأن من تنفسها الزفير تغيظًا منها على أعداء الله سبحانه، وقد تقدم فيما مضى أن كل
شيء جماد أو نبات أو حيوان أو إنسان، وبالجملة فالعالم كله صائر في سنن
حكمة الله - جل ذكره - إلى النشوء في الدار الآخرة، يكمل الأمر جدا فيعلو
الأعلى على غير قياس، ويلحق الأدنى بالكمال المقدور له أن يبلغه، فافهم.
وفد جاء عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من أنتمى إلى غير أبيه، أو ادعى إلى غير"
مواليه، أو كذب علي متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا"قيل: يا رسول الله ولجهنم عينان؟ قال: أولم تسمعوا قول الله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا(12) ."
(عبرة) :
ثبت عن رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - حديثه المشهور الذي يقول
فيه:"إن النار اشتكت إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لي أن"
أتنفس، فأذن لها بنفَسين؛ نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. .."."
وقال الله - عز من قائل: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا
يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) .(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ
الرِّيَاحَ)كما قال: (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا) .
وقد يجمع بقدرة الله وبرحمته في الماء المكون ذلك الخير، والسحاب من