أتبع ذلك قوله الحق: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(9)
يعلمه بمواريث الأعمال ويعجبه؛ لذلك يقول:(انْظُرْ كَيْفَ
ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا)عن أن يهتدوا بما أرشدتهم إليه من النصيحة، لما قابلوا
نعمة الله عليهم ورسوله وكتابه بالكفر والتكذيب، أضلهم عن هدايتهم وفتنهم عن
سواء طريقه، فجاء من الفقه في هذا أنه من كفر بالرسول لم يهتد به وكذلك
الكتاب، ومن أعرض عن تفهم كتاب ربه أعرض الله عنه بالفهم عنه والفقه فيه؛
وربما لم يهتد به، ومتى لم يهتد به كذب به لا محالة، حديث الله وقوله الحق:
(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا(87) . (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ
قَدِيمٌ (11) .
ولذلك عجب بقوله الحق: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ) يقول فنالهم
حكمنا بمواريث الأعمال فهم لذلك قد ضلوا عن هدايتهم (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) إليها
(سَبِيلًا) هذا أورثهم قولهم وعملهم، أعماهم الله وأصمهم فهم لا
يسمعون ولا يبصرون، بل على قدر ما يتفرع لسماع كلام ربه بعد تقديم الإيمان به
والاستسلام والإعظام والإجلال منه؛ لذلك يكون علمه ويقينه، فأبقي عند ربه،
وليقبل إلى ربه بالإيمان والتسليم له، وليفرّغ لكلام ربه قلبه، وليلق الكنف بين يديه،
ويتبرأ من الحول والقوة إليه، وليقل: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) . لا علم لي
إلا ما علمتني إنك أنت العليم الحكيم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) ."مجَّد رب العزة نفسه وتمدح"
بقدرته على إمضاء مشيئته وإنجاز وعده، على أن يجعل له في الدار الآخرة خيرًا من
وصفهم، الذي قصرت عقولهم عليه جنات باقية وقصورًا عالية، هذا - والله أعلم -
في الدار الوسطى دار البرزخ، ثم في الدار الآخرة خير من هذه وهذه، ويجعل له
قصورًا حيث لا يصيبه موت ولا يلحقه فوت.