ومعنى: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ} [الفرقان: 18] نفي الانبغاء ، نقول: ما ينبغي لفلان أن يفعل كذا ، كما قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] والشعر مَلكَة وموهبة بيان أدائية ، وكان العرب يتفاضلون بهذه الموهبة ، وإنْ نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم ، ولقد توفرت لرسول الله هذه الملَكة .
ولو كان صلى الله عليه وسلم شاعراً لكان شاعراً مُبْدعاً ، لكنه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له ذلك ؛ لأن الشعر مبنيٌّ على التخيُّل ؛ لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد من القرآن تخيلات شاعر ، فلم تكُنْ طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر ، إنما كان صلى الله عليه وسلم ذا إحساس مُرْهَفٍ ، ولو قُدِّر له أنْ يكون شاعراً لكان عظيماً .
وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن الشعراء:
{والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224226] .
وقالوا عن الشعر: أَعْذبه أكذبُه ، لذلك لم يدخل رسول الله طِوَال حياته هذا المجال .
إذن: فقولهم {سُبْحَانَكَ} [الفرقان: 18] ردٌّ على {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} [الفرقان: 17] ثم يذكر الدليل على {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} [الفرقان: 17] في قوله: {ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} [الفرقان: 18] فلما متَّعتهم يا ربّ أترفهم النعيم ، وشغلتْهم النعمة عن المنعِم ، فانحرفوا عن الجادَّة .
والآية تنبه المؤمن ألاّ يَأْسَى على نعيم فاته ، فربما فتنك هذا النعيم وصرفك عن المنعِم عزَّ وجل ، فمن الخير إذن أنْ يمنعه الله عنك ؛ لأنك لا تضمن نفسك حال النعمة .