وقد لاحظنا أنَّ مقام الاستدلال على الوحدانية من المواضع التي يحسن فيها الإطناب ، وكلام الله تعالى اتجه إلى ذلك كما رأينا فِي الآية السابقة ، وكما نرى فِي سورة الرحمن ، فإنها تذكير بنعم الله تعالى ، وكل نعمة كفروا ؛ إذ استعملوها فِي غير موضعها ، وفي أمر الله تعالى ونهيه ، وإذا كان جزاء النعم كفرًا بالمنعم ، وإشراك غيره معه فِي العبادة ، فقد قال تعالى فِي سورة الرحمن: {الرَّحْمَنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلى آخر السورة الكريمة.
وهكذا نجد بعد كل نص سام تتبين فيه نعمة الخالق بديع السماوات والأرض يكون تذكير بنعم الله ، ووجوب شكرها بالطاعة وتجنب المعصية ، والإقرار بوحدانية المعبود ، وألَّا يعبدوا غيره - سبحانه وتعالى ، وفي ذلك إشارة إلى أن كل نعمة من هذه النعم ، وبينة من هذه البينات توجب وحدها الشكر ، وتوجب الإقرار بوحدانية الله - سبحانه وتعالى.