هذا فِي بلاغة البشر ، أمَّا القرآن فبلاغته من عند الله خالق كل شيء ، القادر على كل شيء ، والخالق للناس وبيئاتهم ، فكان فِي كلامه المبين ، كل أجناس القول ومناهج البيان بلا تفاوت فِي البلاغة القرآنية ، وإن اختلفت ألوان الألفاظ وأجناسها بين جزل قوي وعذب سهل ، وكلام مرسل ينساب فِي النفس أنسياب النمير ، وكل من موضعه.
التلاؤم:
70 -يقصد بالتلاؤم فِي الأسلوب أن تأتلف مخارج الحروف والكلمات كما ذكرنا ، والإنسجام فِي النّغَم بينها ، ويعدُّ القاضي عبد الجبار أنَّ تآخي النغم فِي الألفاظ والحروف من حلاوة الكلام ومحسناته ، ولكنا نقول: إنَّها بالنسبة للقرآن الكريم من تأثيره فِي النفوس ، فهو فِي القرآن طريق الوصول إلى القلوب ، وإنَّ نظمه على ما سنبيِّن يسير هو وأسلوبه بألفاظه ومعانيه إلى القلوب ليأخذها من طبعها الأرضي ليعلوَ بها إلى الأفق السماوي.
ويذكر أبو عيسى الرماني فائدة التلاؤم فيقول:"والفائدة فِي التلاؤم حسن الكلام فِي السمع ، وسهولته فِي اللفظ ، وتقبل النفس لمعناه ، لما يرد عليها من حسن الصورة, وطريق الدلالة ، ومثل ذلك مثل قراءة الكتاب فِي أحسن ما يكون الخط والحرف ، وقراءته فِي أقبح ما يكون من الحرف والخط ، فذلك متفاوت فِي الصورة وإن كانت المعاني واحدة".
وإنَّ الكلام يذاق كما يذاق الطعام ، فكلما كان التنسيق والتلاؤم حسن فِي الذوق.
وإن لغتنا العربية لغة نطق ابتداء ، وصارت من بعد لغة كتابة ، ولم تنفصل عنها خاصتها ، فهي نطق وكتابة ، ولذلك كان لمخارج الحروف أثر فِي فصاحة الكلام ، ولا شكَّ أن مخارج الحروف مختلفة منها ما يكون فِي أقصى الحلق ، ومنها ما هو من أدنى الفم ، ومنها ما هو فِي الوسط بينهما ، فالتلاؤم فيها بأن تكون الكلمة حروفها متقاربة المخارج ، والكلمات متقاربة المخارج ليسهل النطق على اللسان ، وتتقبله الأسماع.