بعد أن تنبهوا من غفتلهم ، واستأنسوا بالحق من تذكير أمثلهم طريقة استجابت نفوسهم لداعيه ، وعلموا أمرين: علموا أنهم كانوا غافلين عن ربهم ، وعلموا أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس فيما تخافتوا به ، قالوا فِي إعلان إيمانهم بالله: {سُبْحَانَ رَبِّنَا} نقدِّس وننزِّه ونسلِّم أمورنا لربنا الذي خلقنا وربَّانا وهو الحي القيوم القائم على كل شيء ، فرجعوا بذلك إلى الله تعالى خالق كل شيء ، ولكنه لا يكون الرجوع كاملًا إلا إذا تابوا توبة نصوحًا ، وأحسنوا التوبة ، وأول طريقة للتوبة هو الإقرار بالذنب ، إقرار من يحس بذل المعصية ، وذل الذنب قربة ، كما يقول ابن عطاء الله السكندري:"إن معصية أورثت ذلًّا خير من طاعة أورثت دلًّا"ولهذا الإحساس بالذنب ، قالوا مؤكدين القول: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِين} لقد ظلموا أنفسهم بطمعهم وحرصهم ، ونسيان ربهم ، وظلموا الناس بمنع الفقراء من حقهم ، وإن الإحساس بألم المعصية من شأنه أن يجعل كل واحد يلقي تبعة التقصير أو التنبه على غيره ، فهم كانوا مجتمعين على طمعهم وحرصهم وتعجلهم ، ولكنهم بعد أن أحسوا بجرمهم أخذ كل واحد يتبرأ من أنَّه الذي ابتدأ بالدعوة بالمعصية ، وأن الآخر هو الذي دعا فأجاب ، ولذا قال الله تعالى حكاية عنهم بعد أن دخل الإيمان قلوبهم وأشربوا حبه: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُون} كل واحد منهم يلقي على الآخر لومًا ، لا كل اللوم ، فإنهم جميعًا