وقبل أن نتكلم فِي تلك الصور البيانية نقول: إن الألفاظ ليس فيها نبوة تبدو ، ولو بترجيح النظر كرَّات ، والتناسق فيها متوافق النغم تفيد برنينها ، وتصل إلى القلوب فِي عميقها ، والمعاني متآخية تتجِه كلها إلى تصوير الطامعين أهل الشح ، وكيف يبتدئ بالحرص العنيف المغالى فيه ، وتغليب الطمع فِي كل شيء ، والاستيثاق من تحقق ما يطمع فيه ، كما يصور له الطمع ، ثم يشتدُّ المنع حتى يكون لكل خير ، ثم تكون المفاجأة.
هذا ، وإنَّ مجال التصوير يظهر فِي أنَّ الموضوع كله ذكر مثلًا لكل منَّاع للخير ؛ لأنه ذو مال وبنين ، ودفعه غروره بما آتاه الله من مال ثم كفر به واعتدى ، وكانت
عاقبته أن حُرِ َم مما طغى به ، وصار يوم القيامة أمام الجزاء الأليم ، بيد أنَّ أولئك أصحاب الجنة وهي الحديقة المثمرة ، كانت لديهم فرصة الرجاء بعد الندم ، أما هؤلاء فقد فاتت فرصة الرجاء ولات حين مناص ، ولنذكر بعد ذلك ما نستطيع الإشارة إليه من النواحي البيانية.
61 -الصورة الأولى: صورة الطمع المتغلغل فِي النفس الذي ينسيها كل شيء ما عدا ما تطمع به النفس ، فقد قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} .