فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31818 من 466147

فلننتقل من الآية الكريمة إلى الصورة التي حلَّت محل الأولى ، ولننظر إلى الكلمات السامية كلمة كلمة ، ثم ننظر إلى الصورة التي تتكون من هذه الكلمات التي كانت كل منها صورة قائمة بذاتها ، وهي أيضًا جزء من الصورة الكبرى التي يكونها المثل القرآني السامي.

الكلمة الأولى: أذاقها الله: فِي التعبير بأذاق إشارة إلى أنَّ الإيلام مس نفوسهم ، وبعد أن كانوا فِي ترف صاروا يذوقون الضر.

يقول الزمخشري1 فِي معنى الإذاقة:"قد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها فِي البلايا والشدائد ، وما يمس الناس منها ، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضرر ، وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر"، ونرى من التعبير والتقابل أنهم بعدما سكن قلوبهم من اطمئنان ، وما كان من العيش الرغد ذاقوا الجوع ، وبما منحوا من أمن ذاقوا الخوف ، وهكذا تجد التقابل.

والكلمة الثانية: لباس الجوع والخوف ، فيها صورة بيانية رائعة ، فهي تصور الجوع والخوف كأنَّه لباس لبسهم وأحاط بهم إحاطة الدائرة بقطرها ، لا يخرجون منه إلَّا إليه ، ولا يدورون إلّا فِي دائرته ، وإن ذلك بلا ريب يفيد الإحاطة الشاملة الكاملة التي لا يستطيعون منها فكاكًا ، وهذا يفيد استمراره ، وتجدده آنًا بعد آنٍ ، ولقد قال الزمخشري:"وإنَّ اللباس قد شبَّه به لاشتماله على اللابس ، ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأمَّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عمَّا يغشى منهما ويلابس ، كأنه قيل: ما غشيهم من الجوع والخوف".

ومهما يكن تصوير إمام البلاغة الزمخشري من أنَّ التعبير باللباس يفيد أنه غشيهم وأحاط بهم ، فإن فِي الكلام صورة بيانية تصوّر حالهم بعد الأنعم التي أنعم بها عليهم ، وكفروا بها من أنهم فِي صورة من كان لابسًا للجوع والخوف ، وهم يذوقون ، كمن يلبس ملبسًا كله قتاد ، يجرح أجسامهم ، ويدمي جلدهم ، بيد أن هذا لا يدمي الجلد ، ولكن يمسّ الحشا بالجوع ، والنفس بذهاب الأمن والاستقرار ، وإنا نجد أن هذه الصورة البيانية التي يصورها القرآن قد تضافرت الكلمات فِي تكوينها فاشترك فيها التعبير بأذاقهم ، والتعبير باللباس ، وكون اللباس جوعًا وخوفًا ، ولباس الجوع والخوف أشد.

1 هو محمود بن عمر الزمخشري ، إمام عصره فِي اللغة والتفسير والحديث ، توفِّي سنة 538هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت