الثالثة: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} فإنَّ هذا يشير إلى سهولة الحياة ، وأنه لا يأتيهم كسائر العرب بانتجاع الكلأ ، والتنقل فِي الصحراء ، لا ينالون الحياة إلا بشق الأنفس ، وبذوقهم فِي طلبهم الرزق حر الحياة وقرها.
الرابعة: كلمة {رَغَدًا} فالرغد هو الرزق الطيب المذاق المريء غير الوبيء ، وهو الواسع الكثير ، فهم فِي رزق يأتيهم سهلًا طيبًا ، واسعًا مريئًا لا وباء فيه.
ولكنهم كفروا بهذه الأنعم كلها ، فأي صورة بيانية أروع من هذه الصورة ، وتجد الكلمات الأربع متآخية فِي معانيها ، متلاقية فِي ألحانها ، منسجمة فِي نغماتها ، وكل كلمة منها تعطي صورة بيانية ، فآمنة فيها صورة البلد الذي لا يساوره عدو فِي وسط موطن فيه يتخطّف الناس ، ومطمئنة يشير إلى الاطمئنان النفسي الساكن القار كالماء الساكن الذي لا تعبث به الرياح ، ويأتيها رزقها طيبًا من كل مكان ، تشير إلى المكانة التجارية التي يأتيها الخير من كل بلد قاص ودان ، وأن لهم رحلة الشتاء والصيف.
وإن مجموع الكلمات مع ما تشعه كل واحدة من معانٍ وصور يصور حال جماعة من الناس على هذه الأمور المجتمعة غير المفترقة ، وكلها فيوض من أنعم الله تعالى ، ومع ذلك تكفر هذه النعم فلا تشكر ، بل تجحد الحق ولا تؤمن ، وهنا تجيء الصورة الثانية من عقاب ومؤاخذة على ما ارتكبوا من كفر بأنعم الله ، ونجد أن كلمة
أنعم فيها فصاحة وصورة بيانية ؛ إذ إنهم لم يكفروا بواحدة ، بل كفروا بها كلها ، فكان الجحود أشد ، والضلال أبعد ، ولكلمة أنعم نغمة هادئة مع سعة المعنى فِي الكلمة ؛ إذ إنها نعم متضافرة ، وفيوض خير من الله تعالى متكاثرة.
هذه حال ما أفاض الله تعالى به عليهم ، كانت فيها صور النعم واضحة كلًّا وجزءًا فِي كل كلمة سيقت لذلك.