ويستدل على أن الكلمة ليس لها فصاحة ولا بلاغة فِي ذاتها أنَّ الكلمة تروق فِي موضع ، ولا تروق فِي آخر فِي كلام الناس ، فلو كانت الكلمة إذا حسنت كان حسنها من ذاتها ، لاستحسنت دائمًا ، وما استهجنت أبدًا.
وينتهي من هذا إلى أنَّ جمال الكلام ليس فِي توالي ألفاظه فِي النطق ، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.
ويسترسل الجرجاني فِي إثبات أنَّ الكلمات ليست لها فصاحة ذاتية ، إنما بلاغتها فِي اجتماعها مع غيرها فِي تلاقي المعاني ، وأنه ليس للألفاظ ولا للحروف حسن ذاتي منفرد ، ولا قبح ذاتي منفرد ، إنما حسنها فِي تلاقيها مع أخواتها فِي الدلالة وتساوق المعاني ، وما تنتجه من صور بيانية ، ومراتب أهل البيان فِي مقدار قدرتهم على اختيار الألفاظ المتآخية فِي معانيها ، ويفهم من كلامه أنَّ النظم لا يلتفت إليه وحده ، إنما يلتفت
إلى معانيه أيضًا ، وأنه يريد من النظم الكلمات لا ذات الكلام كله برناته القوية أو الهادئة التي تنساب فِي النفس ، وتتغلغل فيها حتى تصل إلى أعماقها.
45 -هذا رأي الجرجاني ، وله مقامه ، يقصر البلاغة والفصاحة على الأسلوب ومجموع العبارات التي تتضافر فِي الدلالة على معانٍ متآخية ، وتتآخى الألفاظ فِي الدلالة على هذه المعاني.
وهناك فريق آخر ، ومن هؤلاء الجاحظ ، يرون للحروف وللكمات فصاحة ، عندما تتلاءم حروفها ولا تتجافى مخارجها ، ولا يكون فيها تكرار ، فلا فصاحة فِي مثل ما رواه الجاحظ.
وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
فإنَّ تكرار الحروف جعلها غير متلائمة ، وغير سهلة فِي النطق.