وقد عقد ابن الأثير فِي كتابه"المثل السائر"فصلًا قيما ذكر فيه فصاحة الكلمات وقبحها ، فِي رنينها وفي تآخي حروفها ، وقال:"إنَّ من الكلمات ما له نغمة أوتار ، ومنها ما له صوت حمار"، وضرب على ذلك الأمثال ، فقال:"إن كلمة السيف لها مرادف ، وهو الخنشليل ، فهل هما متماثلتان فِي الفصاحة والنغمة الصوتية ، ومثل كلمة غصن ، وكلمة عسلوج بمعنى الغصن ، فهل هما متماثلتان فِي النغمة وسهولة النطق".
ويبدو من كتاب"إعجاز القرآن"للباقلاني أنَّه يرى أنَّ للكلمات ذاتها فصاحة خاصة ، وأن تخيُّرها يدل على قدرة قائلها ، وعلوّ بيانه ، فإذا كانت المعاني البلاغية لجملة القول ، ففي اختيار الألفاظ المتناسبة فِي موسيقاها ، وفي نغمتها ، وفي رنَّتها قوية أو هادئة على حسب المقام ، فللفظ دخل فِي الاختيار. ويقول الباقلاني فِي ذلك:
"قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة ، والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة ، وأسباب مؤسَّسة مستحدثة ، فإذا برع اللفظ فِي المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع فِي المعنى المتداول المتكرر ، والأمر المتقرر المتصور ، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع فِي الوجوه التي تتضمَّن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ، ويراد تحقيقه ، بأنَّ التفضال فِي البراعة والفصاحة ، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني ، والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر ، فالبراعة أظهر."
ثم يقول:
"وأنت ترى جمال الكلمة من القرآن يتمثّل فِي تضاعيف كلام كثير ، وهي غرة جبينه ، وواسطة عقده ، والمنادى على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله ، واعتراضه فِي حسنه ومائه"1.
1 إعجاز القرآن للباقلاني ص64.