30 -وننتهي من ذلك إلى حقيقتين ثابتتين نشير إليهما بالإجمال ، وسنتعرض ببعض التفصيل عند الكلام عن وجوه الإعجاز.
الحقيقة الأولى: إنَّ قريشًا مع شدة ملاحاتها للنبي - صلى الله عليه وسلم ، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون ، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون ، لم يتحرَّكوا لأن يقولوا مثله ، وأذعنوا لبلاغته وقوته ، وما أسلم عمر بن الخطاب إلَّا بعد أن قرأ فيه ، وكذلك جبير بن مطعم ، وإنَّ القرأن تحداهم أن يأتوا بمثله فما فعلوا ، بل ما تحرَّك العقلاء منهم لِأَنْ يفعلوا حتى لا يسفّوا فِي تفكيرهم وهم أمام رجل كبير فِي قومه وعقله ، ومعه آيات الله تعالى البينات ، فدل هذا على عجز مطلق.
الحقيقة الثانية: إنَّ القرآن جذب العرب إلى الإيمان بما فيه من روعة وقوة بيان ، وإيجاز معجز ، وأقوال محكمة ، وقصص تطول وتقصر ، وهي مملوءة بالعبرة فِي طولها وقصرها ، وإطنابها الرائع وإيجازها الذي لا يدع صغير ولا كبير إلا أوفاها بالعبارة الناصعة ، والإشارة الواضحة ، فما كان الإيمان نتيجة تحدٍّ للمقاويل منهم وعجز ، وإن
كان العجز ثابتًا ، وإنما كان الإيمان ثابتًا بالقرآن ، فهو الذي جذب إلى الإيمان بما فيه من بيان أدركوا أنَّه فوق طاقة البشر ، وأنَّه حقائق ثابتة كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .