وإنَّ الثابت مع ذلك أنه لم يحاول أحد من أهل البيان أن يأتي بمثله ، ولم يعرف ذلك ، وإذا كان التاريخ قد ذكر شيئًا من هذه المحاولة فإنه كان فِي أيام الردة من مسيلمة الكذاب وأشباهه ، وإن هذا الجزء الذي رواه التاريخ الذي روى تلك الكلمات التي حاول بها مسليمة الكذاب أن يجاري فيها القرآن ، بَيِّن مقدار إدراك المشركين ؛ إذ لم يحاولوا المجاراة حتَّى لا يسفوا ، ويكونوا أضحوكة بين العرب ، وموضع سخرية ، يسخرون بعقولهم ، ولننقل لك ما نقله الباقلاني1 فِي إعجاز القرآن ، ليتعجب وليتبصر الناظر ، كما قال الباقلاني ، فإنَّه على سخافته قد أضلّ ، وعلى ركاكته قد أزل ؛ لأنَّ الزلل سابق على سماعه ، والكفر سابق على ابتداعه ، وميدان الجهل واسع ، والحماقة له أهل ، وميدانها عندهم ، ونحن إذا قلنا: إنَّ المشركين ضلوا ، فهم فِي عقولهم كانوا أوسع إدراكًا ، وإن جحدوا.
انظر ما قال الجهول يحاكي القرآن:"والليل الأطقم ، والذئب الأدلم ، والجذع الأزلم ، ما انتهكت أسيد من أحرم"، لقد قال هذا لفضِّ خلاف وقع فِي قوم أصحابه: إنه ليس جديرًا بأن سمَّى كلامًا فضلًا عن أن يكون له فصاحة أو بلاغة ، أو أي نوع من الإدراك البياني.
وهو يقول فِي الحكم فِي هذا الخلاف أيضًا:
"والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس".
وكان يقول:"ضفدع بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين ، أعلاك فِي الماء وأسفلك فِي الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، لنا نصف الأرض ، ولقريش نصفها".
وقالت سجاح بنت الحارث بن عقبان ، وكانت تتنبأ ، فاجتمع مسيلمة معها ، فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إليَّ"إنَّ الله خلق النساء أفواجًا ، وجعل الرجال لهن أزواجًا ، فنولج فيهن فقسا إيلاجًا ، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجًا ، فينتجن سخالًا نتاجًا"فقالت: أشهد أنك نبي2.
31 -هذه تفاهات القول التي نقلت عن الذين حاولوا معارضة القرآن ، وقد أسفوا فِي القول ، وهبطوا فِي التفكير ، مما لم يرد أن ينحدر إليه أرباب البيان من قريش ،
1 توفِّي سنة 403هـ.
2 إعجاز القرآن للباقلاني ص240"طبع دار المعارف تحقيق أحمد صقر".