وهذا المحمل هو المناسب لتناسق الضمائر العائدة على المشركين مما تقدم إلى قوله {وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} [الحج: 72] ، ولأن هذه السورة نزل بعضها بمكة في آخر مُقام النبي صلى الله عليه وسلم بها وبالمدينة في أول مُقامه بها فلا منازعة بين النبي وبين أهل الكتاب يومئذ، فيبعد تفسيرُ المنازعة بمنازعة أهل الكتاب.
وقوله {وادع إلى ربك} عطف على جملة {فلا ينازعنك في الأمر} .
عطف على انتهاء المنازعة في الدين أمرٌ بالدوام على الدعوة وعدم الاكتفاء بظهور الحجّة لأن المُكابرة تجافي الاقتناع، ولأنّ في الدوام على الدعوة فوائد للناس أجمعين، وفي حذف مفعول {ادع} إيذان بالتعميم.
وجملة {إنك لعلى هدى مستقيم} تعليل للدوام على الدعوة وأنها قائمة مقام فاء التعليل لا لردّ الشك.
و {على} مستعارة للتمكن من الهدى.
ووصف الهدى بالمستقيم استعارة مكنية؛ شبه الهُدى بالطريق الموصل إلى المطلوب ورُمز إليه بالمستقيم لأن المستقيم أسرع إيصالاً، فدين الإسلام أيسر الشرائع في الإيصال إلى الكمال النفساني الذي هو غاية الأديان.
وفي هذا الخبر تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتجديد لنشاطه في الاضطلاع بأعباء الدعوة.
{وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) }
عطف على جملة {فلا ينازعنك في الأمر} [الحج: 67] .
والمعنى: إن تبيّن عدم اقتناعهم بالأدلة التي تقطع المنازعة وأبوا إلا دوام المجادلة تشغيباً واستهزاء فقل: الله أعلم بما تعملون.
وفي قوله: {الله أعلم بما تعملون} تفويض أمرهم إلى الله تعالى، وهو كناية عن قطع المجادلة معهم، وإدماج بتعريض بالوعيد والإنذار بكلام موجّه صالح لما يتظاهرون به من تطلب الحجّة: ولما في نفوسهم من إبطان العناد كقوله تعالى: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} [السجدة: 30] .