وقال بعض المتأخرين: يجوز أن يعتبر تسبب الفعل عن النفي ثم يعتبر دخول الاستفهام التقريري فيكون المعنى حصل منك رؤية إنزال الله تعالى الماء فإصباح الأرض مخضرة لأن الاستفهام المذكور الداخل على النفي يكون في معنى نفي النفي وهو إثبات ، فإن قلت: الرؤية لا تكون سبباً لا نفياً ولا إثباتاً للإخضرار ، قلت: الرؤية مقحمة والمقصود هو الإنزال أو هي كناية عنه لأنها تلزمه مع أنه يكفي التشبيه بالسبب كما نص عليه الرضى في ما تأتينا فتحدثنا في أحد اعتباريه ، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز النصب أن النصب مخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية على ما قرر في علم النحو ولا يمكن ذلك في الآية الكريمة كما ترى.
وبالجملة إن الذي عليه المحققون أن من جوز النصب هنا لم يصب ، وأن المعنى المراد عليه ينقلب.
وقرئ {مُخْضَرَّةً} بفتح الميم وتخفيف الضاد مثل مبقلة ومجزرة أي ذات خضرة {إِنَّ الله لَطِيفٌ} أي متفضل على العباد بايصال منافعهم إليهم برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء وإخضرار الأرض بسببه {خَبِيرٌ} أي عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده.
وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط ، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبات خبير بكيفية خلقه ، وقال الكلبي: لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده ، وقال ابن عطية: اللطيف هو المحكم للأمور برفق ، ونقل الآمدي أنه العالم بالخفيات ، وأنت تعلم أنه المعنى المشهور للخبير ، وفسره بعضهم بالمخبر ولا يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة.
{لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} خلقاً وملكاً وتصرفاً فاللام للاختصاص التام {وَإِنَّ الله لَهُوَ الغنى} الذي لا يفتقر إلى شيء أصلاً {الحميد} الذي حمده بصفاته وأفعاله جميع خلقه قالا أو حالا.