ومما يؤثر عن كسرى أنه قيل له: بم دام ملككم؟ فقال: لأننا نعاقب على قدر الذنب لا على قدر الغَضب ، فليس ذكر وصفي {عفو غفور} إيماء إلى الترغيب في العفو عن المشركين.
ويجوز أن يكون تعليلاً للوعد بجزاء المهاجرين اتباعاً للتعليل في قوله: {إن الله لعليم حليم} [الحج: 59] لأن الكلام مستمر في شأنهم.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}
ليس اسم الإشارة مستعملاً في الفصل بين الكلامين مثل شبيهه الذي قبله ، بل الإشارة هنا إلى الكلام السابق الدال على تكفل النصر ، فإن النصر يقتضي تغليب أحد الضدّين على ضدّه وإقحام الجيش في الجيش الآخر في الملحمة ، فضرب له مثلاً بتغليب مدة النهار على مدة الليل في بعض السنة ، وتغليب مدة الليل على مدة النهار في بعضها ، لما تقرر من اشتهار التضادّ بين الليل والنهار ، أي الظلمة والنور ، وقريب منها استعارة التلبيس للإقحام في الحرب في قول المرّار السُّلَمي:
وكتيبَةٍ لبّسْتُها بكتيبة حتى...
إذا التَبست نفضتُ لها يدي
فخبر اسم الإشارة هنا هو قوله: {بأن الله يولج الليل} الخ.
ويجوز أن يكون اسم الإشارة تكريراً لشبيهه السابق لقصر توكيده لأنه متصل به لأن جملة {بأن الله يولج الليل في النهار} الخ ، مرتبطة بجملة {ومن عاقب بمثل ما عوقب به} الخ ، ولذلك يصح جعل {بأن الله يولج الليل في النهار} الخ متعلقاً بقوله {لينصرنه الله} [الحج: 60] .
والإيلاج: الإدخال.
مثل به اختفاء ظلام الليل عند ظهور نور النهار وعكسه تشبيهاً لذلك التصيير بإدخال جسم في جسم آخر ، فإيلاج الليل في النهار: غشيان ضوء النهار على ظلمة الليل ، وإيلاج النهار في الليل: غشيان ظلمة الليل على ما كان من ضوء النهار.
فالمُولج هو المُختفي ، فإيلاج الليل انقضاؤه.