ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين ، فاطمأنت أنفسهم أي المشركون لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة ، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس ؛ وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين: عثمان بن مظعون وأصحابه ؛ وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، وصلوا مع رسول الله ؛ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه ؛ وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة ، فأقبلوا سراعاً ، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته ، وحفظه من الفرية ، وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} .. فلما بين الله قضاءه ، وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين ، واشتدوا عليهم..""
قال ابن كثير: وقد ساق البغوي في تفسيره روايات مجموعة من كلام ابن عباس ، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك ، ثم سأل هنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ثم حكى أجوبة عن الناس ، من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك. فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم والله أعلم.
وقال البخاري: قال ابن عباس: {في أمنيته} إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. فيبطل الله ما يلقي الشيطان {ثم يحكم الله آياته} .
وقال مجاهد: {إذا تمنى} يعني إذا قال ؛ ويقال أمنيته: قراءته.