ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون على من خالفهم حتى يؤذن لهم في ذلك لأنهم بعثوا مؤلفين لا منفرين وهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم به اللّه فإذا أعلمهم بمن لا يمكن إيمانه من قومهم ساغ لهم الدعاء على ذلك ، ألا ترى أن نوحا عليه السلام لم يتجرأ أن يقول:"رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً"إلا بعد قوله تعالى له:"أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ"ولذلك احترس في الدعاء بقوله: على الأرض فإن من آمن معه كان في السفينة ولم يبق على الأرض إلا من حق عليه العذاب ولما علم سبحانه ان الذين عادوا نببه محمدا صلى اللّه عليه وسلم لا يرجى فلاحهم أمره بالدعاء عليهم بيد أنه علمه كيف يدعو عليهم دعاء غير منفر لغيرهم فأراد سبحانه أن
يقول: قل رب أهلك الظالمين فعدل عن هذا اللفظ الخاص لما فيه من التنفير إلى لفظ الإرداف فقال:"قل رب احكم بالحق"فإنه سبحانه إذا حكم بالحق وهو العدل عاقب من يستحق العقاب وأما قول مورد الأشكال: لم عدل عن الأوجز إلى الأطول؟ ولو قال رب احكم لكان كافيا ، فليس الأمر كما زعم لأن للحاكم المختار الذي لا شريك له أن يحكم بالفضل فينزل عن حق نفسه وله أن يحكم بالعدل ستوفي حقه وحق غيره وطلب مطلق الحكم لا يوفي بذلك فلهذا عدل من الأوجز إلى الأطول ليوفي بالمعنى المراد.
وقد تنخّل عن هذا الجواب أربعة عشر ضربا من البديع اتفقت في هذه الألفاظ الثلاثة وهي:
1 -الإرداف الذي قدمنا ذكره.
2 -الإيضاح لأن إيضاح الإشكال الوارد على ظاهر الكلام جاء مدمجا في الإرداف.
3 -التتميم إذ لو وقع الاقتصار على قوله: رب احكم لكان المعنى المراد ناقصا لأن مطلق الحكم لا يوفي بالمقصود كما بينا.
4 -المقارنة لأن الادماج والإيضاح اقترنا في التتميم.