واختار كثير من الصالحين الانقطاع للعبادة فيها {وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين} [الأنبياء: 83] ذكر أنه عليه السلام قال ذلك حين قصدت دودة قلبه ودودة لسانه فخاف أن يشغل موضع فكره وموضع ذكره ، وقال جعفر: كان ذلك منه عليه السلام استدعاء للجواب من الحق سبحانه ليسكن إليه ولم يكن شكوى وكيف يشكو المحب حبيبه وكل ما فعل المحبوب محبوب وقد حفظ عليه السلام آداب الخطاب {وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مغاضبا فَظَنَّ أَن لَّن قُدِرَ} قيل ان ذلك رشحة من دن خمر الدلال ، وذكروا أن مقام الدل دون مقام العبودية المحضة لعدم فناء الإرادة فيه ولذا نادى عليه السلام {أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] أي حيث اختلج في سرى أن أريد غيره ما أردت {وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} [الأنبياء: 89] قيل إنه عليه السلام أراد ولدا يصلح ون يكون محلا لا فشاء الأسرار الإلهية إليه فإن العارف متى كان فرداً غير واجد من يفشي إليه السر ضاق ذرعه {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} قيل أي رغبة فينا ورهبة عما سوانا أو رغبة في لقائنا ورهبة من الاحتجاب عنا {وَكَانُواْ لَنَا خاشعين} [الأنبياء: 90] .
قال أبو يزيد: الخشوع خمود القلب عن الدعاوي ، وقيل الفناء تحت أذيال العظمة ورداء الكبرياء {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} [الأنبياء: 107] أكثر الصوفية قدست أسرارهم على أن المراد من العالمين جميع الخلق وهو صلى الله عليه وسلم رحمة لكل منهم إلا أن الحظوظ متفاوتة ويشترك الجميع في أنه عليه الصلاة والسلام سبب لوجودهم بل قالوا: إن العالم كله مخلوق من نوره صلى الله عليه وسلم ، وقد صرح بذذلك الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره في قوله وقد تقدم غيره مرة:
طه النبي تكونت من نوره...