أما العلامة برتلي سانت هيلر الألماني، فإن ما ذكره في كتابه (الشرقيون وعقائدهم) ، فقد قرر ما ذكر سابقا حول التوازن الإيجابي في شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وذلك حسب ما تفرضه مقتضيات الحياة التي جبل الله سبحانه وتعالى النفس البشرية عليها. فهو يقرر في ما ذكره في كتابه أن شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد تميّزت وبشكل لافت للنظر بأجل ما تحمله النفس البشرية، وهما صفتا العدالة والرحمة.
لقد أكد العلامة برتلي على أنه إذا كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، وذلك وفق ما تفرضه مقتضيات العدالة. فإنه في ذات الوقت كان داعياً إلى ديانة الإله الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وبفضل ذلك استطاع أن يؤدي وظيفته الموكلة إليه بحرفنة منقطعة النظير.
"...يقول أرنولد (إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي(صلى الله عليه وسلم) واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفاً لديهم، كما جعل صيته ذائعاً في كافة أنحاء شبه الجزيرة سيداً عظيماً ورجلاً كريما. وكثيراً ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعياً إلى الإسلام جاداً في تحويل إخوانه إليه)."
إن السيد أرنولد يقرر في كلمته هذه أن أسلوب التسامح الذي ينطلق من دفء الرحمة التي كانت تستقر في قلب الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان له أثرا كبيرا في نشر دعوته ومبادئه، فقد استطاع طيلة الفترة التي كان يؤدي فيها مهمته أن يجعل بفضل رحمته وتسامحه ولينه في المعاملة من يزوره من العشائر يعود إلى قومه داعيا إلى الإسلام، بل وجادا في تحويل إخوانه إليه. وترجع هذه القوة في التغيير لحسن أسلوب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوته ولطفه ولينه في معاملة الآخر.