...لم تكن رحمته (صلى الله عليه وسلم) قاصرة على المؤمنين، بل شملت الكفار أيضا، وتتجلى هذه الرحمة بالكافرين في أروع معانيها بحرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على إنقاذهم من النار يوم القيامة، فكان يرهق نفسه في دعوتهم، ويتملّكه الحزن العميق لإعراضهم. (47) ، حتى خاطبه الله تعالى بقوله: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} . (48) ، وقوله تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} . (49)
المبحث الثالث
الرحمة منهج للدعوة في منطق البطش والحرب
إن الحرب في الإسلام ليست إلا حربا دفاعية لصد الاعتداء، لذا لم يحارب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا من حاربوه، ويدلل على ذلك قول الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} . (40)
بل يقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السلم دائماً ويرحب بذلك. قال تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} . (41) ، حيث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يقاتل عدواً إلا إذا كان مضطرا إلى قتاله، ولم يثبت في جميع الغزوات أن اعتدى على أحد من القبائل إلا مضطراً لقيامها بالمخالفات، وذلك لأن الله لا يحب المعتدين. كما أنه لم يثبت خلال جميع الغزوات والسرايا أن من أهدافها إكراه الناس على اعتناق الإسلام، وإنما كان الهدف الرئيس هو حماية الحرية والدفاع عنها.
وتؤكد الإحصائيات أن جميع الغزوات والسرايا بلغ عدد جميع القتلى من الجانبين 1018 قتيلاً؛ وذلك لأنها كانت حروبا دفاعية لا يبدأ فيها المسلمون بالاعتداء على أحد، ولا يقاتلون إلا مكرهين على القتال.
لقد كانت غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم) وسراياه حاقنة للدماء، عاصمة للنفوس والأعراض، وتخضع لآداب وأخلاق عالية، بالإضافة إلى تطبيق تعليمات رحيمة. وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أمّر أحداً على جيش أو سرية أوصاه: (اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً. (