وحتى الكفار الذين رموا على ظهره الشريف (صلى الله عليه وسلم) سلا الجزور لم تكن ردّة فعله عليهم إلا بالدعاء. أما السيدة فاطمة وجويرية (رضي الله عنهما) فأخذتا يشتمانهم، وفي ذلك يتضح لك الفرق بين الموقفين، إذ أن موقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤكّد مدى صبره على أذاهم، وأنه غرضه من ذلك أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، ويحتاج لأجل ذلك رحمة وشفقة ورأفة بحالهم، وذلك حتى يأذن الله في أمرهم.
ثانيا: رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالكفار
...إن الآية الكريمة التي قررت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو رحمة للعالمين تشير إلى حقيقة هامة جدا، وقد كانت هذه الحقيقة من سمات الرسول (صلى الله عليه وسلم) البارزة، ومن علاماته الفارقة، وهي الرحمة الشاملة التي كان يفيض بها على كل ذي روح ... على الإنسان وعلى الحيوان وحتى النبات.
...لقد كانت رحمته تمتد إلى كل إنسان سواء أكان من العبيد أو الأحرار أو الأطفال أو الشيوخ أو النساء أو الضعفاء أو المساكين، وحتى المشركين والمنافقين.
...ولا يصدّق البعض أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يرحم حتى المشركين والكفار الذين كذّبوه وآذوه بشتى الأساليب، إلا أن هذه الحقيقة حقيقة ثابتة ومشرقة وواضحة حسب ما تؤكده حقائق سيرته.
...فكلما ازداد الكفار عتوا وعنادا، لم يزده ذلك إلا صبرا وتحملا، وتضرعا إلى ربه العلي القدير بأن يهديهم، ولم يذكر التاريخ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا مرة واحدة على المشركين جمعا.
...يذكر ابن هشام أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد شج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم) . (46)