...إن خلق الرحمة في شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) خلق قد انبثقت منه معظم الأخلاق بعد ذلك، فهو لم يعفو إلا لأنه رحيم، ولم يكن حليما إلا لأنه رحيم لم تجبل نفسه على القسوة، ولم يكن متواضعا إلا لأن الكبر يولّد في القلب القسوة وهكذا. فجميع الأخلاق المحمدية التي تشكّلت في المنظومة قد انبثقت من خلق الرحمة الذي امتاز به الرسول (صلى الله عليه وسلم) في شخصيّته وتركيبته، كما أنه استطاع وبحصافة منقطعة النظير أن يوظّف هذا الخلق الحميد كسبيل لنشر دعوته التي بعثه الله بها.
...وحتى يتم استعراض ما يعكس لنا مكانة الرحمة في منظومة الأخلاق المحمدية، فإن الحديث لا بد أن يكون في هذا الباب حول عدد من المحاور التي ستكون على النحو التالي.
ففي الفصل الأول من هذا الباب يكون التناول حتى نقرّب الرؤية لما سنسهب الحديث حوله في هذه الدراسة استعراض لمنظومة الخلق المحمدي، والتي دلّل عليها قول الله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} . (3) ، كما سنتناول ما تقوم عليه فلسفة الخلاق، وكيف انعكست هذه الأخلاق على واقع الحقيقة المحمدية.
...أما الفصل الثاني من هذا الباب فسيكون تسليط الضوء فيه على مفهوم الرحمة المحمدية، ودلائلها كما وردت في آيات القرآن الكريم، والسيرة النبوية العطرة.
...ولعل الخروج بفضل الله بعد هذا الاستعراض التمهيدي لمنظومة الأخلاق المحمدية، وكيفية تمثل الرحمة في الذات النبوية ودلائلها تتضح الرؤية لما تقوم عليه المنهجية الأخلاقية المحمدية على وجه العموم، وفي خلق الرحمة بشكل خاص.
الفصل الأول
منظومة الخلق المحمدي
{وإنك لعلى خلق عظيم}
...تعبّر شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن منظومة مكونة من مجموعة من الأخلاق تمثّلت في شخصيته، وتصرفاته، وأفعاله، وسلوكياته، وهو بذلك قد نال أعلى الدرجات بشهادة جميع من عاشره ممن وافقه أم لم يوافقه.
...إن عظيم الأخلاق وطيّبها من مأمورات الدين الإسلامي، بل هي من فلسفته ومنهجه، حيث تقوم جميع القربات على الفلسفة الأخلاقية، فما من عبادة أو معاملة إلا ويزيّنها كريم الأخلاق.