...يقول الخازن في تفسيره مبينا علاقة هذه الآية بما قبلها: (وهذا التفسير لقوله {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} ؛ لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية كانت ظاهرة عليه، ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه. ولما كانت أخلاق رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كاملة حميدة، وأفعاله المرضية الجميلة وافرة، وصفها الله تعالى بأنها عظيمة وحقيقة الخلق قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، و ويدخل في حسن الخلق التحرّز من الشح، والبخل، والتشديد في المعاملات. ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول، والفعل، والبذل، وحسن الأدب، والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب، والتساهل في جميع الأمور والتسامح بما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع والتهاجر واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى، مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر. فهذه الخصال تجمع جميع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال. ولقد كان جميع ذلك في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ولهذا وصفه الله تعالى بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} . قال ابن عباس: معناه على دين عظيم لا دين أحب إلي، ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام. وقال الحسن هو آداب القرآن. سئلت عائشة (رضي الله عنها) عن خلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت: (كان خلقه القرآن) . وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أوامر الله، وينتهي عنه من مناهي الله تعالى، والمعنى وإنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن. وقيل سمّى الله خلقه عظيما؛ لأنه امتثل تأديب الله إيّاه بقوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، والله سبحانه وتعالى أعلم). (2)
...إن الأخلاق الحميدة التي امتاز بها سلوك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كداعية إلى خاتم الأديان السماوية كانت متأصّلة في ذاته قبل أن يتخذها ويطوّعها لخدمة الدعوة إلى دين الإسلام. إذ كيف يكون نبي يدعو إلى رحمة الله، وما أرسله الله إلا رحمة للعالمين، وتكون حياته ممتزجة بهذا الخلق العظيم، ثم نستبعد بعد ذلك ممارسته لخلق الرحمة كجزء من حياته، وكوسيلة من وسائل دعوته.