حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه, ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة من منطقه ، ومسألته ، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم, ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه, حتى يجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام"."
وقوله: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه: وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة ، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة, فكان كل من يراه يهابه ويجله ، ويملأ قلبه تعظيماً وإجلالاً وإن كان عدواً له ، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق ، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم ، وهذا كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة, فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة ، والهيبة والتعظيم من غير محبة ناقصة ، كما تكون للغادر الظالم نقص أيضاً ، والكمال: أن تجتمع المحبة والود ، والتعظيم والإجلال ، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها.
ولما كان الله سبحانه وتعالى أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن يعظم ويكبر ويهاب ويحب ، ويود بكل جزء من أجزاء القلب ، ولا يجعل له شريك في ذلك, وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب ، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه} البقرة: من الآية165 فأخبر أن من أحب شيئاً غير الله مثل حبه لله كان قد اتخذه نداً ، وقال أهل النار في النار لمعبودهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ