أي: أنه سَالَم الحيات ، فالحيات سالمتْه ، فالمسالمة منهما معاً ، لكن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلاً ؛ لأن إيذاءَها أقوى من إيذائه ، فلما أبدل من الحيات (الأفعوان والشجاع القشعما) وهما من أسماء الحيات كان عليه أنْ يأتي بالبدل مرفوعاً تابعاً للمبدل منه ، إلا أنه نصبه فقال: الأُفْعَوانَ والشجاعَ القشعمَا ؛ لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضاً مفعولٌ .
فَمِمَّ غضب ذو النون؟ غضب لأن قومه كذبوه ، فتوعدهم إنْ لم يتوبوا أنْ يُنزل بهم العذاب ، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به ، فخاف أنْ يُكذِّبوه ، وأن يتجرَّأَوا عليه ، فخرج من بينهم مغاضباً إلى مكان آخر ، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخّر الله عذابهم ، وأجّل عقوبتهم .
وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذا الموقف: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} [يونس: 98] .
أي: لم يحدث قبل ذلك أنْ آمنتْ قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة هي قوم يونس ، فقد آمنوا وتابوا فأجّل الله عذابهم .
إذن: خرج يونس مُغاضِباً لا غاضباً ؛ لأن قومه شاركوه ، وكانوا سبب غضبه ، كما حدث في مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة لكنه لم يهْجرهَا ، فسُمِّيَتْ هجرة ؛ لأن أهل مكة هجروا رسول الله أولاً ، وهجروا دعوته وألجئوه أيضاً إلى الهجرة وتَرْك مكة ، فهم طرف في الهجرة وسببٌ لها .
لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة:"والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إليَّ ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منكِ ما خرجْتُ".
وقد أخذ المتنبي هذا المعنى ، وعبَّر عنه بقوله:
إذَا ترحلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا ... ألاَّ تُفارِقَهُمْ فالراحِلُون هُمُ