وبين في بعضها: أن الله تداركه برحمته. ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذموماً ، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم ، قال تعالى في"الصافات": {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} [الصافات: 139 - 148] . فقوله في آيات"الصافات"المذكورة {إِذْ أَبَقَ} أي حين أبق ، وهو من قول العرب: عبد آبق ، لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه ، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ} لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: {فَسَاهَمَ} أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة. لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر:
قتلنا المدحضين بكل فج... فقد قرت بقتلهم العيون
وقوله {فَنَبَذْنَاهُ} أي طرحناه ، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء الفضاء أو المتسع من الأرض ، أو المكان الخالي أو وجه الأرض راجع إلى ذلك ، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة:
ورفعت رجلاً لا أخاف عثارها... ونبذت بالبلد العراء ثيابي