وأما وجه قول ابن عباس في رواية عطاء، فإنه من الصغائر التي يُجوّزها كثير من الناس على ما ذكره ابن قتيبة، وليس قول من قال مغاضبًا لربه على ظاهره ومعناه: مغاضبًا لأمر ربه وهو رفعه العذاب عنهم وكان يشتهي وقوعه بهم.
وأما قول ابن عباس وابن مسعود: عبد آبق من ربه، أي: من أمر ربه حين أُمر أن يعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم فلم يعد، وركب البحر.
ويدُل على صحة ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس في قصته: أنه لمّا خرج من بطن الحوت أنبت الله له شجرة من يقطين، فكان يستظل بورقها حتى قوي بعض القوة، فمضى يومًا إلى شط البحر، ثم رجع إلى تلك الشجرة، فوجدها قد جفت، فبكى حزنًا عليها، فأوحى الله إليه: أتحزن على شجرة أنبتها لك، وقد أردت أن أهلك أكثر من مائة ألف من عبادي، إذهب إلى قومك.
وهذا يدل على أنه اشتهى نزول عذاب الله بقومه، وكره دفعه عنهم، وأن ركوبه البحر كان معصية لله بترك أمره، إذ أمره أن يعود إليهم. فأما أن يقال إنه غاضب ربه، فهم عظيم، ولا يجوز القول بذلك في الأنبياء.
وروي وجه آخر من التأويل في قوله: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} وهو أن معنى المغاضبة هاهنا: الأنفة؛ لأن الآنف من الشيء يغضب، فتُسمى الأنفة غضبًا، والغضب أنفة؛ إذ كان كل واحد سببًا من الآخر، فمعنى {ذَهَبَ مُغَاضِبًا} ذهب أنفًا من ظهور خلف وعده وقال: والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدًا، وعدتهم العذاب في يوم ما فلم يأت.
وهذا الوجه اختيار ابن قتيبة.
وفي رواية أبي صالح: أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير إلى ننوى ليدعو أهلها، بأمر شعيا النبي فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبًا للملك، فعاقبه الله بالتقام الحوت، فلما قذفه الحوت بعثه الله إلى قومه، فدعاهم، وأقام بينهم حتى آمنوا.