وعلى هذا مغاضبته كانت قبل رسالته. ولكن الصحيح الذي تواترت به الرواية أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله إياه إلى قومه ورفع العذاب عنهم بعد ما أظلهم. ووجه المغاضبة ما ذكرنا، وهو أنه كره رفع العذاب عنهم وأنف من أن يُجربوا عليه كذبًا؛ فأبق إلى الفلك المشحون.
وقوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} فيه قولان:
أحدهما: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة.
وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ورواية عطية عن ابن عباس.
قال ابن عباس: أراد الظن بعينه.
يعني: ليس الظن - هاهنا - بمعنى العلم، بل هو بمعنى الحسبان.
واختار الفراء والزجاج هذا القول.
قال الفراء: ظن أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا.
وقال الزجاج: ونَقْدر بمعنى: نُقَدِّر.
ويقال: قدَّر الله الشيء وقَدَرَهُ، أي: قضاه. والقَدْر يكون بمعنى التقدير، ويدل عليه قوله:
ومُفْرهَةٍ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقها ... فَخَرَّت كما تتَّايَع الرّيحُ بالقَفْلِ
ويدل على صحة هذا قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقَدِّر عليه) [بالتشديد، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة (فظن أن لن يُقَدَّر عليه) بضم الياء والتشديد، وقرئ قوله {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} [الواقعة: 60] وقوله: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 3] بالوجهين من التخفيف والتشديد.
القول الثاني: فظن أن لن يضيق عليه الحبس.
وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء ومنصور.
قال في رواية عطاء: أن لن نعاقبه.
وقال في رواية منصور: يعني البلاء الذي أصابه. وهذا الوجه اختيار أبي الهيثم وابن قتيبة.