ولذلك قال يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] يريد: ما أضمره وحدث به نفسه عند حدوث الشهوة. فإن كان ذو النون قد غاضب قومه فبأي ذنب عوقب بالتقدم الحوت والحبس في الظلمات؟ وما الأمر الذي ألام فيه؟ فنعاه الله عليه إذ يقول {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} والمليم الذي أجرم جرمًا استوجب به اللوم.
ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل حين يقول لنبيه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] ؟ وإن كان مغاضبًا لقومه فإن كان غضبه قبل أن يؤمنوا فإنما غضب على من يستحق في المدة أن يغضب. وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا فكيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا؟ وبه بعث، وإليه دعى. ولكن نبي الله عليه السلام لمّا أخبرهم عن الله أنه مُنزل العذاب عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضى الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم، خشي أن ينسب إلى الكذب، ويعيّر به، وُيحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته الأنفة والحمية، وكان مغيظًا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهُزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيًا لأن ينزل بأس الله بهم. هذا إلى ضيق صدره وقلة صبره على ما صبر على مثله أولو العزم من الرسل.
وقد روي في الحديث: أنه كان ضيق الصدر، فلما حُمِّل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل. فمضى على وجهه مُضي الآبق الناد لقول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصافات: 139، 140] انتهى كلامه.
وأكثر أهل المعاني اختاروا قول ابن عباس في رواية العوفي.
قال الأخفش: إنه قد أذنب بتركه قومه، وإنما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربه، كان أعلم بالله من ذلك.