وأما الشكوى فالإخبار العاري عن القصد الصحيح بل يكون مصدره السخط وشكاية المبتلي إلى غيره فإن شكا إليه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك شكوى بل استعطاف وتملق واسترحام له كقول أيوب لرَبِّهِ {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
وقول يعقوب {إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}
وقول موسى:
"اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك".
وقول سيد ولد آدم
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملّكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك"
فالشكوى إلى اللّه سبحانه لا تنافي الصبر بوجه فإن اللّه تعالى قال عن أيوب {إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}
وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال وفَّى مع قوله {إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، ولم يجعل ذلك نقصا لصبره.
ولا يلتف أن غير هذا من ترهات القوم، كما قال بعضهم لما قال: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} .
قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً} ولم يقل صبورا حيث قال {مسّني الضر} .
وقال بعضهم لم يقل: ارحمني، وإنما قال {أنت أرحم الراحمين} فلم يزد على الإخبار بحاله ووصف ربه.
وقال بعضهم إنما شكا مس ضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر لا ضر المرض والألم.
وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من هذه الأمة.
وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى اللّه تنافي الصبر وغلط أقبح الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فاللّه يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...