واعترض القول بجعله نظير ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقاً بأنه يجب في ذلك أن يكون بين العلتين ملابسة بالسببية والمسببية حتماً كما في المثال المذكور ، وفي قولك: ما شافهته بالسوء ليتأذى إلا زجراً لغيره فإن التأديب في الأول مسبب عن الاشفاق والتأذي في الثاني سبب لزجر الغير وما بين الشقاء والتذكرة تناف ظاهر ، ولا يجدي أن يراد به التعب في الجملة المجامع للتذكرة لظهور أن لا ملابسة بينهما بما ذكر من السببية والمسببية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكان {إِلاَّ تَذْكِرَةً} إلا تكثيراً لثوابك فإن الأجر بقدر التعب كما في الحديث انتهى.
ولعل قائل ذلك يمنع وجوب أن يكون بين العلتين الملابسة المذكورة أو يدعي تحققها بينهما في الآية بناء على أن التذكرة أي التذكير سبب للتعب كما يشعر بذلك قول المدقق في الحاصل الأخير حسبك ما حملته من متاعب التبليغ الخ ، وقد خفى المراد من الآية على هذا الوجه علي ابن المنير فقال: إن فيه بعدا لأنه حينئذ يكون الشقاء سبب النزول وإن لم تكن اللام سببية وكانت للصيرورة مثلاً لم يكن فيه ما جرت عادة الله تعالى به مع نبيه صلى الله عليه وسلم من نهيه عن الشقاء والحزن على الكفرة وضيق الصدر بهم وكان مضمون الآية منافياً لقوله تعالى:
{فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ} [الأعراف: 2] {فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم} [الكهف: 6] ا ه ، وأنت تعلم بعد الوقوف على المراد أن لا منافاة.
نعم بعد هذا الوجه وكون الآية نظير ما ضربتك للتأديب إلا اشفاقاً مما يشهد به الذوق ، ويجوز أن تكون حالاً من الكاف أو {القرآن} [طه: 2] والاستثناء مفرغ ، والمصدر مؤول بالصفة أو قصد به المبالغة.
وجوز الحوفي كونها بدلاً من"القرآن".
والزجاج كونها بدلاً من محل {لتشقى} [طه: 2] لأن الاستثناء من غير الموجب يجوز فيه الإبدال.