ومما يستلفت النظر في هذا السياق أن كتاب الله اختار فيه من بين أسماء الله الحسنى اسم (الرحمن) بالخصوص، فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ولم يقل القهار أو الجبار مثلا، إشعارا للعباد بأن رحمة الله تسع كل شيء، حتى في هذا المقام، مقام العظمة والجلال، مما يجعله جلالا مقرونا بالجمال، ويفتح في وجوه المذنبين والمنحرفين باب الأمل في
فضل الكبير المتعال، ونفس الاختيار لاسم (الرحمن) في مثل هذا المقام نجد في قوله تعالى {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] .
وقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} تذكير للإنسان بأن قدرة الله الباهرة، وسطوته القاهرة، لا يفلت من قبضتها شيء، فما على الإنسان العاقل إلا أن يسلم وجهه لله، ويوفق بين إرادته وإرادة الله، بصفته جزءا لا يتجزأ من هذا الكون الفسيح، الذي يسير في حركاته وسكناته وفقا لمشيئة الله، {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى عليم بذات الصدور لا يخفى عليه منها شيء، لا فرق بين ما يعرفه الإنسان من نفسه ويكتمه عن الغير، وما لا يعرفه الإنسان من نفسه بالمرة، لأنه مغيب عنه في أعماق وجدانه وهو لا يعيه، أو مغيب عنه وراء حجب المستقبل وهو لا يدريه، والإتيان بهذه الحقيقة في هذا السياق فيه حظ للإنسان على أن يتقبل هدية الله وهدايته التي جاء بها القرآن الكريم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} فالله تعالى أعلم بمصلحة الإنسان من الإنسان بنفسه، وأرحم به من نفسه التي بين جنبيه، وخالق الإنسان، أولى من غيره بهداية الإنسان {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] .