تجد أنه يفخر بقصر تلك الصفات عليهم قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا، بمعنى: أنها لا تتعداهم ولا تتجاوزهم إلى غيرهم، على سبيل المبالغة والادعاء. وخذ عندك مثلًا: قول الله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (طه:67، 68) . أي: أنت الأعلى لا هُم. فتعريف المسند أفاد قصره على المسند إليه قصرا إضافيًّا. بمعنى: أنه لا يتعداه إلى هؤلاء السحرة.
{فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ... (71) }
فلفظ {فِي} مستعمل في غير ما وضع له في هذه الآية؛ لأن جذوع النخل لا تصلح للظرفية الحقيقية، لكن لما كانت هذه الجذوع متمكنة منهم؛ لأن مراد فرعون شدة التعذيب وإحكام الصلب؛ شبهت الجذوع بالظرف الحقيقي في هذا التمكن، واستعمل فيها لفظ"في"على سبيل الاستعارة التبعية، ويقال في إجرائها على رأي الخطيب:"شبهت الجذوع بالظرف بجامع التمكن، ثم استعير لفظ في، وهو جزئية من جزئيات المشبه به، واستعمل في المشبه"، وعلى رأي الجمهور: شبه مطلق الارتباط بين السحرة المؤمنين وبين الجذوع بمطلق الارتباط بين الظرف والمظروف، بجامع التمكن فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات، ثم استعير لفظ"في"من جزئيات المشبه لجزئي من جزئيات المشبه.
إذن فالأمر عند الجمهور يسري في العموميات والترتب؛ بينما هو عند الخطيب يسري بين الظرف والمظروف.
{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74) }
ففي الآخرة لا يكون المرء مجرمًا؛ لأن الوصف بالإجرام يكون قبل الصيرورة إلى موقف الجزاء، وإنما أوثر لفظ المجاز لإيمائه إلى استحقاق العقاب الذي ينزل به.
قال ابن فارس في كتابه (الصاحبي) : باب نفي الشيء جملةً من أجل عدم كمال صفته، قال فيه: قال الله في صفة أهل النار: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} (طه: 74) ، فنفى عنه الموت؛ لأنه ليس بموت مريح، ونفى عنه الحياة؛ لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة، وهذا في كلام العرب كثير. ومنه قول الشاعر:
من كل بلهاء سقوط البرقع ... بيضاء لم تُحفظ ولم تُضيع