إن الوحوش البشرية اليوم لا فرقَ عندهم بين إنسان يُخاطَب بالحجة وحيوان يُنهَش بالناب.
وما أهون الدنيا في حس المؤمن الموصول بالله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) يواجهون به الُملك والجاه والسلطان وقُوى الأرض الصغيرة والحقيرة، فيرتفعون على فتنة التمثيل والتمزيق بإيمانهم المستعلي على هذه الفتن، وعقيدتهم المنتصرة على أوهاق الجسد وجاذبية الأرض فكم كانت البشرية تخسر لو خسر هؤلاء أنفسهم في معركة العقيدة ... ما أتفه الحياة بلا عقيدة، وما أبشعها وأحطها حين يُسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!.
وإن مظهر التمثيل والتمزيق والصلب والتثوية والإكنان صغير هزيل في حساب المؤمنين، ويحسبه الجبارون المتسلطون على الأجساد عظيما. فلا تخلد إن مررت بهذه الحروف إلى الإجْبال وتُطفئ ما توحيه من معانٍ على الوجه الذي هو أضْوَأ لها وأنوه، والحجة فيها أنْور وأبهر، فاشحذْ البصر، وفتق النظر لمعرفة وجه الحكمة فيها.
صفوة المعنى من الحرف أتى ... طبقْ تركبه بعد طبق
(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ(78)
روى البروسوي: أتبعه إتباعا إذا طلب الثاني اللحوق بالأول. وتبعه تبعاً: إذا: مرّ به ومضى معه. وذكر المالقي: أن الباء بمعنى مع، وكذلك المرادي، والسيوطي، وأورد الجمل: في تفسير الباء وجوهاً:
أحدها: أن تكون الباء للحال وذلك أن (أتبع) متعد لاثنين حذف ثانيهما
والتقدير: أتبعهم فرعون عقابه. وقدره الشيخ رؤساءه وحشمه والأول أحسن.
الثاني: الباء زائدة في المفعول الثاني، فأتبعهم فرعون جنوده كقوله:
(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) . وأتبع قد جاء متعديا لاثنين مصرحا بهما (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) .
والثالث: أنها المعدية، على أن أتبع قد يتعدى لواحد بمعنى تبع ويجوز
على هذا الواحد أن تكون الباء للحال أيضا، بل هو الأظهر.
وقال أبو السعود: تبعهم ومعه جنوده وقيل: أتبعهم فرعون نفسه فحذف المفعول الثاني وقيل: الباء زائدة.
أقول: ولعل تضمين (أتبع) معنى (ألحق) . فألحقهم فرعون بجنوده
أسوغ من الزيادة في الحروف أو إبدالها، وليس إتباع فرعون بني إسرائيل إلا طلبا في اللحوق بهم للإجهاز عليهم فجمع التضمين المعنيين من غير إكراه ولا إغصاب. وحاز أسباب الإيجاز ونال سبيل الإعجاز، فاخلُدْ إليه وتعللْ به.