والعدول من لفظ إلى آخر يستضيء به المعنى ويتنبه على أسبابه. وفيه جمال خاطره وسِناد رأيه، وإقامة برهانه.
ويأتي السياق فيما أصاب فرعون وجنوده مجملا من غير تفصيل، ليكون وقعه في النفوس شاملا ومهولا. لقد تولت يد القدرة إدارة المعركة، بعد أن استعلن الإيمان في وجه الطغيان لا يخشاه ولا يرجوه: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) دون لجلجة ولا خوف ... وهنا تدخلت يد القدرة لإعلان النصر ... (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) .
إنه التضمين لا حذف ولا تقدير، ولكنه ملاطفة التأول، وفضل تأملٍ فيما أوحى إليه فِعْله وساغ من معانيه.
* كالمسك في نَشْره وفي عَبَقِه *
(وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى(83)
قال الآلوسي: والمراد بالتعجيل تقدمه عليه لا الإتيان قبل تمام الميعاد، خلافا لبعضهم، والاستفهام للإنكار، لأن العجلة نقيصة في نفسها فكيف من أولي العزم. واللائق بهم المزيد من الحزم.
وقال البروسوي: أي شيء حملك على العجلة وأوجب سبقك منفردا عن قومك وهم النقباء السبعون، وأنه سبقهم شوقا إلى ميعاد اللَّه وأمرهم أن يتبعوه (وما أعجلك) : سؤال انبساط كقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ) لا سؤال إنكار كما ظن أكثر المفسرين.
وقال الرازي: وأما قوله (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) فغير منطبق على سؤاله عن سبب العجلة.
أقول: (أعْجلَ) لا يتعدى بـ (عَنْ) وإنما تضمن معنى (أَبْعد) فعجلتُهُ أبعدته عن قومه. فلما سئل عن سببها (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) وغير بعيدين عني، لقد غلب الشوق عليه إلى مناجاة ربه بعد أن ذاق حلاوتها من قبل فهو إليها مشتاق عجول. وقف في حضرة مولاه لا يعلم ما أحدثه القوم خلفه في أسفل الجبل.
استعد لهذا اللقاء أربعين يوما ليتلقى الألواح وفيها التوجيه من ربه والذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل بعد أن أنقذهم من ذل الفراعنة ليصوغ منهم أمة ذات رسالة.
وما كاد يتركهم في رعاية أخيه هارون حتى ينهاروا أمام أول اختبار ... إنه العجل من الذهب أضلهم به السامري وهاهم يتبعون أول ناعق إلى الوثنية، إلى عبادة العجل. والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فعجلته سبب في بعد قومه عنه. فجمع التضمين مع العجلة معنى البعد والذي أوحى به الحرف (عن) وقد يحمل المعنى على نقيضه كما يحمل على نظيره: أي ما أبطأهم عنك؟ ويأتي جوابه: هم أولاء على أثري، وعجلت إليك ربي لترضى.
إنه التضمين وإنه النور المبين.