قال أبو حيان: أراد بالتقطيع والصلب: التمثيل، ولما كان الجذع مقرا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عُدّي بـ (في)
وقيل: في بمعنى على. قاله الطبري:
وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا
قال أبو السعود: (فيها) أي (عليها) وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه.
وذكر الشوكاني: أي على جذوعها كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا ... وذكر السيوطي: (في) بمعنى (على) تفيد الاستعلاء وأكد الزركشي: أن المصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنما يُصلب في وسطها فكانت (في) أحسن من (على) . ونص أبو عبيدة وابن قتيبة والفراء والآمدي: على أنها بمعنى (على) .
وأجاز الزجاج: اشتراك (في) و (على) في هذه الآية. وقال الزمخشري: شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قيل: في جذوع النخل.
تضمين (أُصلبنكم) معنى (أَثوِينكم أو أُكِنكُم) . والمتعدي بـ في يُبقي الحرف على أصله، أما أن ينوب عن غيره فغير مُحتفل به، فهذه الحروف تهي عن حفظ أنفسها وتحمُّل خواصها، وعواني ذواتها، فكيف بها تتجشم احتمال سواها، وأما التضمين فقد جمع الصلب إلى معنى التثوية والإكنان لإفادة المعنيين جميعا. فإن قيل: لم جاء التعبير بالصلب؟ قلت: لأنه أراد القتلة المعروفة بالصلب على وجه الخصوص، فهو يهددهم أن يجعل جذوع النخل لحودهم وقبورهم، وبهذه الطريقة البشعة يعرض شناعة الصورة وما فيها من مَهانة وتسفّل وسقوط من الفجرة السفَلة. أما إبدال حرف من حرف، ففيه من خَيْس الخاطر ما يدعو إلى اطّراحه، وهو لضعفه إذا ناب منابه جنى عليه وتكاءده، ومعروف أن الصلب يكون على الجذوع وليس فيها فلمَ جاء فيها؟ إن الحرف (في) إنما جيء به لإفادة التثوية والأكنان، فتكون الجذوع قبورا وأضرحة لهذه الأشلاء المُمثل بها لا لتثبيتها وتسميرها ولا تكون مِشْجبا تتعلق عليها. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالطاووس في تصوير المعنى، مَن أبطله من النحاة بحجة التعاور والتناوب فقد حص ذَيله فضاع أجمل ما فيه.
إنه التهديد بالقوة الوحشية يعتمده الطغاة في كل زمن، ويُسلطونه على الأبدان في الصلب ليطول بهم المُقام في جذوع النخل وفي العراء فتأكل لحومَهم الطيرُ.