والثاني: أنه قال في السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ} .
فأدخل «من» على «قبلهم» هنا، ولم يدخلها هناك مع تساوي المعنيين والمكانين فقال للسائل عن ذلك: لما كانت هذه الآية مفتتحة بقوله: {أَفَلَمْ} وتلك مفتتحة بقوله: {أَوَلَمْ} اختلفتا من هذه الجهة فكان ما دخلته الفاء لأنه يتعلق بما قبله تعلق الجواب بالمبتدإ والجزاء بالشرط، فتكون جملة تمامها بجملة قبلها يثقل يختار فيه التخفيف، وما دخلته الواو لا يقتضي ما تقتضيه الفاء بنفسها، بل حقه الانقطاع عما قبله، ولذلك يجوز أن يكون المؤخر بعدها في اللفظ مقدما في المعنى. وأما دخول {مِنْ} وحذفها فقد بيّناه في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ} وفي موضع آخر {بَعْدَ مَا جَاءَكَ} ، وهو أن القائل إذا قال: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} فكأنه قال: في الزمن المتقدم على زمانهم، وإذا قال:
{مِنْ قَبْلِهِمْ} ، فكأنه قال: من مبتدأ الزمان الذي قبل زمانهم، والزمان من أوله لآخره ظرف للإهلاك، لا يختصّ به بعضه دون بعض. فإن قال: فلم جاء في سورة طه:
{أَفَلَمْ يَهْدِ} بالفاء قلت: لأنه تقدم قوله: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} ، ومعناه: فتركت الاهتداء بها، ثم قررهم على