فإن قلت: فقد جاء إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون [غافر / 10] والظرف في المعنى يتعلق بالمقت الأول لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآية . وقوله: إذ تدعون متعلّق بالمقت الأول ، وقد وقع بعد خبره ، قيل: إن الظروف يتجوّز فيها ما لا يتجوّز في غيرها ، ألا ترى أنها تقع مواقع لا يقعها غيرها ، وهو أيضا مع ذلك ينبغي أن يحمل على فعل آخر دلّ المقت عليه كأنه: مقتكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون . فعلى هذا الضرب من الأفعال يحمل هذا النحو إذا جاء ، ولم نعلم في التنزيل مجيء شيء منه إلا في الظروف ، فقد علمت أن مكانا في قوله: مكانا سوى ليس يتعلق بالموعد لما ذكرنا ، وليس بالسهل أن تجعل انتصاب مكانا في قوله: (مكانا سوى) على أن يكون ظرفا ، وقع موقع المفعول الثاني ، كقولك: ظننت خروجك اليوم ، وعلمت ركوبك غدا ، لأنك إن حملته على ذلك جعلت المبتدأ الذي يلحقه ، جعلت ، وظننت ونحوه ، موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا قصدا ، فتنصب المكان كما تنصب اليوم ، في قولك: القتال اليوم .
ولم يجروا قولهم: الموعد مجرى سائر هذه الأحداث ، ألا ترى
أنه قد جاء في التنزيل: إن موعدهم الصبح [هود / 81] برفع الصبح ، وجاء: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى [طه / 59] فالقراءة بالرفع على أن الثاني هو الأول ، وهذا حذف واتساع ، ولا تقول على قياس موعدك الصبح: مرجعك الصبح ، ولا مجيئك باب الأمير ، ولا مقعدك السوق . وقد رأيت أنهم قد أخرجوا الموعد من أحكام نحوه ، فلا يحسن فيه ما حسن في نحو ما يشبهه ، ومما يدلّك على أنهم أخرجوا ما بعد الموعد من أن يكون ظرفا قوله: