ولقوله: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} [مريم: 93] يشير إلى أن الرحمانية اقتضت إيجاد السماوات والأرض ومن فيهن، والصفاتية والألوهية كانت في الأزل مقتضية بألاَّ يكون لذاته تعالى شريك في الوجود حتى سبقت رحمته بالرحمانية غضبه وهو القهارية، فبالرحمانية خلق ما خلق، وبالرحمانية عبده من عبده وعرفه من عرفه، وبالرحمانية {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ} [مريم: 94] في الأزل من العباد وهم معدودون. {وَعَدَّهُمْ عَدّاً} [مريم: 94] في الموجودين على وفق مشيئته من السعداء والأشقياء {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} [مريم: 95] عن مشيئتهم، بل هو آت بهم على وفق مشيئته وإرادته القديمة الأزلية الأبدية على قانون حكمته البالغة.
ثم أخبر عن حال السعداء وحال الأشقياء قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [مريم: 96] فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم: 96] فقوله: {} [مريم: 96] يشير إلى أن بذر الإيمان إذا وقع على أرض القلب، وتربى بماء الأعمال الصالحات ينمو إلى أن يثمر، فتكون ثمرتها محبة الله ومحبة الأنبياء والملائكة والمؤمنين جميعاً كما قال تعالى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 - 25] ,