واعلم أن المعتاد من أهل الزمان إذا ظهر الله في كل زمان وأوان نبيّاً أو وليّاً، وتخصصه بمعجزته أو كرامته أن ينكر عليه أكثرهم، وينسبونه إلى الجنون والضلال والافتراء والكذب والسحر وأمثاله {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29] يشير إلى أن هؤلاء القوم هم أهل الإشارات؛ أي: إشارة مريم القلب إلى عيسى روح الله المتولد من نفخ الروح المضاف إلى الحضرة المقدسة ومريم القلب {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29] ما بلغ مبلغ الرجال البالغين والواصلين {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] أي: أقر بالعبودية والحدوث متبرئاً عن الاثنينية والقدم {آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30] من العلوم اللدنية وكشف الحقائق والأسرار.
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم: 31] نبيّاً؛ أي: بلغني مقام الأنبياء، فأخذ الأسرار من الله عند تجلي صفاته وإنباء الخلق بها {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم: 31] أي: متصفاً بصفاته، فأحيي الموتى بصفته، وأبرئ الأكمه والأبرص وغير ذلك من الكرامات {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ} [مريم: 31] أي: بإقامة العبودية ومراقبة أحكام الربوبية {وَالزَّكَاةِ} [مريم: 31] أي: تزكية النفس عن الأوصاف الذميمة {مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] فيه إشارة إلى أن ما دام العبد حيّاً لا بدّ له من مراقبة السر وإقامة العبودية وتزكية النفس {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} [مريم: 32] أي: أبر والدة القلب بإفاضة الفيض الإلهي.
{وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} [مريم: 32] لم أكن قابلاً للفيض {شَقِيّاً} [مريم: 32] محروماً عن سعادة العبودية {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ} [مريم: 33] أي: بسلامة من الله كانت ولادتي يوم ولدت بلا والد طبيعي {وَيَوْمَ أَمُوتُ} [مريم: 33] فيه إشارات: