والذي يدل على أن عيسى عليه السلام من نور الكلمة قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171] أي: نور من نور إلقائه، فلمَّا تمثلت الكلمة بالبشر أنكرتها مريم ولم تعرفها فاستعاذت بالله منه {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] يعني: إنك إن كنت تقياً من أهل الدين فتعرف الرحمن ولا تقربني بإعاذتي إليه، وإن كنت شقياً فلا تعرف الرحمن فما تعوذتُ منك بالخلق، فأجابها وقال: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] طاهراً من لوث ظلمة النفسانية الإنسانية {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم: 20] أي: إذا لم يمسسني بشر قبل هذا {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] ليمسسني بشر بعد هذا بالزواج وبالنكاح؛ لأني محررة محرَّم عليَّ الزوج {قَالَ كَذلك} [مريم: 21] الذي تقولين، ولكن {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 21] أن أخلق ولداً من غير ماء منيِّ والد فإني أخلقه من نور كلمة كن كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} [مريم: 21] دلالة على قدرتي بأني قادر على أن أخلق ولداً من غير أب، كما أني خلقت آدم من غير أب وأم، وخلقت حواء من غير أم {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] أي: نرحم به من نشاء من عبادنا.
واعلم أن بين قوله: {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] وبين قوله: {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الشورى: 8] فرق عظيم وهو: أنه تعالى إذا أدخل عبداً في رحمته يرحمه ويدخله الجنة، ومن جعله رحمة منه يجعله متصفاً بصفته.