ثم أخبر عن مريم وحالتها مع من في الأرض دل حاله بقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ} [مريم: 16] الخطاب مع قلم القدس؛ أي: الكتب في أم الكتاب الذي عنده مكتوب في الأول حالة {مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم: 16] أي: انفردت من أهل الدنيا وتنحت {مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] وهو القلب المشرق بنور ربه {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} [مريم: 17] من ذلك النور {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} [مريم: 17] وهو نور كلمة الله التي يعبر عنها بقوله: كن، وإنما سمي نور كلمته روحاً؛ لأنه به يحيي القلوب الميتة كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] فتارة: يعبر الروح بالنور، وتارة: يعبر عن النور بالروح كقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] فأرسل الله إلى مريم نور كلمة كن {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] كما تمثل نور التوحيد بحروف: لا إله إلا الله؛ لانتفاع الخلق به.