وقوله: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} (شيئًا) يجوز أن يكون مفعولًا به، وأن يكون واقعًا موقع مجيئًا، كقوله: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} فيكون مصدرًا، و {فَرِيًّا} صفته على كلا التقديرين، أي: مصنوعًا مختلفًا، من قولهم: فلان يَفْرِي الفَرِيَّ، إذا كان يأتي بالعجب في عمله مبالغًا فيه، وقال:
420 -* قَدْ كُنْتِ تَفرِينَ به الفَرِيّا *
أي: كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه. وقيل: عظيمًا. وقيل: منكرًا فظيعًا.
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) } :
قوله عز وجل: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} (كيف) سؤال عن حال في موضع نصب بنكلم، وفيه وجهان:
أحدهما: استفهام بمعنى التعجب، أي: أَعجبوا من أمرها إيانا بتكليم الصبي في المهد؟
والثاني: بمعنى النفي، أي: لا نكلم من هو في المهد لا يفهم الخطاب، ولا يقدر على الجواب.
و {مَنْ} موصولة منصوبة بنكلم، وقال أبو إسحاق: شرطية، وجوابها {كَيْفَ} . والمعنى: من يكن في المهد صبيًا، فكيف [نكلمه] ؟، كقولك: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه؟ فتكون {فِي} في موضع رفعٍ بالابتداء، وما بعدها الخبر.
وفي {كَانَ} هنا أوجه:
أحدها: صلة، و {صَبِيًّا} فيه وجهان، أحدهما: بدل من {مَنْ} . والثاني: حال، وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: {مَنْ} . والثاني: المنوي في الظرف وهو {فِي الْمَهْدِ} .
والثاني: بمعنى صار، والمنوي فيها راجع إلى {مَنْ} وهو اسمها، {فِي الْمَهْدِ} خبرها، و {صَبِيًّا} خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في المهد.
والثالث: بمعنى حدث ووقع، والمستتر فيها راجع إلى {مَنْ} وهو فاعلها، و {فِي الْمَهْدِ} متعلق بها عار عن الذكر، و {صَبِيًّا} إما حال، إما
من المنوي في {كَانَ} ، والعامل فيه {كَانَ} لأنه فعل كسائر الأفعال، أو مِنْ {مَنْ} ونهاية صلتها {فِي الْمَهْدِ} ، أو بدل من {مَنْ} كأنه قيل: كيف تكلم صبيًا خُلق في المهد؟ أي: هو الآن في المهد.