الثاني: أنَّ عيسى لما انفصل صيره الله بالغاً عاقلاً تامّ الخلقة ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} (آل عمران: 59)
فكما أنه تعالى خلقه آدم تاماً كاملاً دفعة فكذا القول في عيسى عليه السلام.
قال الرازي: وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ لقوله ما دمت حياً فهذ يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه جميع زمان حياته.
«فَإِنْ قِيلَ» : لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه رأوا شخصاً كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجباً فكان ينبغي أن لا يتعجبوا.
أجيب: بأنه تعالى جعله مع صغر جثته قويّ التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية والة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل.
قوله: {وَبَرّاً} أي: وجعلني بارا ولما كان السياق لبراءة والدته قال: {بِوَالِدَتِي} أي: التي أكرمها الله تعالى بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، وفي ذلك إشارة إلى تنزيه أمّه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها.
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}
أي: بهم، صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} في الآخرة لأنّ حالهم في شدّة السمع والبصر جديرة بأن يتعجب منها فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم وقوله تعالى: {لَكِنِ الظَّالِمُونَ} من إقامة الظاهر مقام المضمر إشعاراً بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر والأصل ولكنهم {الْيَوْمِ} أي: في الدنيا {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بين بذلك الضلال صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي: اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صماً وعمياً.