في (كان) هذه أقوال أحدها: إنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي: كيف نكلم من في المهد وصبياً على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة.
ثانيها: أنها تامّة بمعنى حدث ووجدوا والتقدير كيف نكلم من وجد صبياً؟
وصبياً حال من الضمير في كان قال الرازي وهذا هو الأقرب.
الثالث: أنها بمعنى صار أي: كيف نكلم من صار في المهد صبياً وصبياً على هذا خبرها.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم؟
أجيب: بأنَّ جبريل أو عيسى عليه السلام لما ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت صار ذلك كالتنبيه لها على أنَّ المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكريا أو إليها على سبيل الكرامة.
قوله {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}
واختلف في معنى ذلك فقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبياً وأتى بلفظ الماضي بجعل المحقق وقوعه كالواقع كما في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} (النحل: 1)
وقيل: هو إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً قال كنت وآدم بين الروح والجسد وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل وكان يعقل عقل الرجال وقال الحسن أُلهم التوراة وهو في بطن أمه.
قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ}
طهرة للمال فعلاً في نفسي وأمراً لغيري
{مَا دُمْتُ حَيّاً} ليكون ذلك حجة على من ادّعى أنه إله لأنه لا شبهة في أنَّ من يصلي إلى إله ليس بإلاه.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يؤمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلاً والقلم مرفوع عن الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث» الحديث؟
أجيب بوجهين: الأوّل: أنَّ ذلك لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فيكون المعنى أوصاني بأدائهما في وقت وجوبهما عليّ وهو وقت البلوغ.