و {أن أذكره} بدل اشتمال من ضمير {أنسانيه} لا من الحوت ، والمعنى: ما أنساني أن أذكره لك إلا الشيطان.
فالذكر هنا ذكر اللسان.
ووجه حصره إسناد هذا الإنساء إلى الشيطان أن ما حصل له من نسيان أن يخبر موسى بتلك الحادثة نسيان ليس من شأنه أن يقع في زمن قريب مع شدة الاهتمام بالأمر المنسي وشدة عنايته بإخبار نبيئه به.
ومع كون المنسي أعجوبة شأنها أن لا تنسى يتعين أن الشيطان ألهاه بأشياء عن أن يتذكر ذلك الحادث العجيب وعلم يوشع أن الشيطان يَسوءه التقاء هذين العبدين الصالحين ، وما له من الأثر في بث العلوم الصالحة فهو يصرف عنها ولو بتأخير وقوعها طمعاً في حدوث العوائق.
وجملة {واتخذ سبيله في البحر} عطف على جملة {فإني نسيت الحوت} وهي بقية كلام فتى موسى ، أي وأنه اتخذ سبيله في البحر ، أي سبح في البحر بعد أن كان ميتاً زمناً طويلاً.
وقوله: {عجباً} جملة مستأنفة ، وهي من حكاية قول الفتى ، أي أعجبُ له عجباً ، فانتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله.
{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) }
{قال ذلك} الخ..
جواب عن كلامه ، ولذلك فصلت كما بيناه غير مرة.
والإشارة بـ {ذلك} إلى ما تضمنه خبر الفتى من فقْد الحوت.
ومعنى كونه المبتغى أنه وسيلة المبتغى.
وإنما المبتغى هو لقاء العبد الصالح في المكان الذي يفقد فيه الحوت.
وكتب {نبغ} في المصحف بدون ياء في آخره ، فقيل: أراد الكاتبون مراعاة حالة الوقف ، لأن الأحسن في الوقف على ياء المنقوص أن يوقف بحذفها.
وقيل: أرادوا التنبيه على أنها رويت محذوفة في هذه الآية.
والعرب يميلون إلى التخفيف.
فقرأ نافع ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر بحذف الياء في الوقف وإثباتها في الوصل ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر بحذف الياء في الوصل والوقف.